أخبار عاجلة
الرئيسية / معلومات دينية / مظاهر التفسير العلمي… في القرون المفضلة

مظاهر التفسير العلمي… في القرون المفضلة

بسم الله الرحمن الرحيم
مظاهر التفسير العلمي… في القرون المفضلة
الدكتور مرهف السقا

يقصد بالتفسير العلمي: بيان معاني القرآن الكريم باستنباط مختلف العلوم الكونية والنفسية والعقلية، أو بتوظيف العلوم التطبيقية والبحثية والمعارف التجريبية الصحيحة بقدر الطاقة البشرية وفق القواعد الشرعية المقررة(1). والمراد من هذا المقال وما سيأتي من بعده من مقالات ـ إن شاء الله ـ، بيان الأصل الشرعي والتاريخي لما نسميه اليوم (التفسير العلمي للقرآن الكريم) بهذا المعنى الاصطلاحي السابق، ونفياً لتهمة بعض المتفيهقين لمن يشتغل بهذا الاتجاه بالتفسير والضلال والتبديع، وتوجيهاً لمن يشتغل بالتفسير العلمي إلى ضبط عملهم التفسيري في إطار هذا التعريف، وفي ضوء منهج الأئمة المعتبرين.

لا يخفى حال العرب عند بدء نزول القرآن، وما يحملونه من معتقدات الجاهلية وتصوراتها ومفاهيمها الخرافية المخالفة للفطرة والعقل والحقيقة.. والتي تسرب معظمها عن طريق الاحتكاك بالروم والفرس وتلاقح العقول ببعضها، وتلقف العرب لعلوم الروم وفارس خاصة عن خلق الإنسان ونشأة الكون وغير ذلك، ومع ذلك فلم يبرع العرب إبان نزول القرآن وقبله إلا في ثلاثة أنواع من العلم: علم الأنساب وعلم الرؤيا وعلم الأنواء أو النجوم، وكانت براعتهم بالأنواء قاصرة على العرافة والاسترشاد في الجهات، وأما الطب فلم يبرعوا فيه، بل كان غالبهم يعتمد على التمائم والرقى والتنجيم(2).
والواقع أن طبيعة الحياة في المجتمع العربي قبل الإسلام كانت هي التي توجه العرب إلى العلوم التي تحتاجها هذه الحياة، فبراعتهم بالأنساب لأنها من ضروريات العصبية القبلية، ومعرفتهم بالنجوم وأنواع الكواكب ومطالع النجوم والقمر.. وما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة؛ لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على سبيل طريق تعلم الحقائق، ولا على سبيل التدريب في العلوم(3).
فنزل القرآن والحالة هذه لينقل الناس من هذه التصورات الخرافية التي لا تتوافق مع الحقائق التي خلقها الله، ليهديهم إلى الجادة المستقيمة ويصحح لهم التصورات المنحرفة عن الإنسان والكون والحياة، ويعيد الفطرة التي انحرفت هذه التصورات إلى أصلها وصفائها، وينقلهم من مرحلة التبعية لغيرهم في العلوم والنظم، ولآبائهم في العادات والعبادات، إلى سدة الاستقلال بالعلوم والعقيدة والأخلاق، ليكونوا أصحاب حضارة مميزة.
فكانت الآيات المكية تنزل متضمنة ذكر الإنسان وما يتعلق بخلقه وأطواره وكرامته، والكون ونشأته، والخليقة من بدئها وفنائها ومآلها، والحياة في معناها وحقيقتها والغاية منها، والأرض وما فيها من نبات وتربة وقطع متجاورات.. وغير ذلك من الدواب والمخلوقات؛ بأسلوب يأمر العقل بالحركة والتحرر من التبعية والجاهلية وتقليد الآباء وموروثاتهم، وكانت هذه الحقائق التي يذكرها الله تعالى في كتابه تتمكن من قلوب وعقول المسلمين عقيدة وفهماً لتوسع مداركهم وتعزز إيمانهم في تعظيم الله وتوحيده.
إن علم التفسير نشأ الرسالة الإسلامية، وبدأ ببدء نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الآيات المنزلة من عند الله تفتق مدارك العقل عند سامعيها العاقلين وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يفسر للصحابة ما أشكل عليهم في فهم القرآن الكريم وما أجمل من هذه الآيات، ويعلمهم منهج استنباط المعارف القرآنية واستخراج الدر المكنون من علوم القرآن، وكان المصدر في ذلك الوحي من عند الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. عن مالك بن الحويرث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة، طار ماؤه في كل عرق وعصب منها فإذا كان يوم السابع، أحضر الله كل عرق بينه وبين آدم، ثم قرأ: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ|(الانفطار: 8)(4).
بل كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم للآيات المتحدثة عن مظاهر الكون والإنسان، وكانت المصدر الأول للصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في فهم القرآن الكريم، والمطلع على كتب التفسير بالمأثور يجد الأمثلة في ذلك كثيرة(5).
ثم كان السلف الصالح ـ رضي الله عنهم ـ من الصحابة والتابعين وتابعيهم يحثون على استنباط العلوم من القرآن الكريم، وتدبر آياته ومعرفة أوجه معاني ودلالات القرآن المرشدة لعلومه استناداً إلى أن هذا الكتاب المنزل من خالق كل شيء ما فرط في ذكر شيء مما خلقه تصريحاً أو تلويحاً أو استدلالاً بمنهج وأسلوب يسير بالإنسان في دروب الهداية والرشد، قال تعالى: }وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ| (الأنعام: 38)، ويقول ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: (من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن)(6).
ويقول مسروق ـ رحمه الله: (من سره أن يعلم علم الأولين والآخرين وعلم الدنيا والآخرة فليقرأ سورة الواقعة)(7).
وذكر السيوطي في الإتقان أن ابن سراقة نقل في إعجاز القرآن عن أبي بكر بن مجاهد أنه قال يوماً: ما من شيء في العالم إلا وهو في كتاب الله، فقيل له: فأين ذكر الخانات؟! فقال: في قوله تعالى: }لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ| ( النور: 29)(8).
إن المطلع على تفسير السلف الصالح ـ رضي الله عنهم ـ يجد فيه العجائب من استنباطهم لأنواع من العلوم صار لها تخصصات وفروع في زمننا بل منها علوم تقوم لها الدنيا وتقعد وهي تتحدث عنها ونحن كنا نمر عليها مرور الكرام عند قراءتها، وهذا التوفيق الذي وفقه السلف لم يكن من فراغ، وإنما لإخلاصهم في البحث عن مراد الله تعالى وحرصهم على سلامة المنهج في دراسة القرآن الكريم وتدبر آياته، إذ المصدر الذي عولوا عليه في ذلك هو تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، هذا مع معرفتهم باللغة العربية وأساليب العرب في الكلام وتقليب أوجه الدلالات اللغوية، إضافة لسعة المدارك الإيمانية ومعرفتهم لسنن الله تعالى في الكون والقرآن.
لقد وفق السلف الصالح من المفسرين كثيراً في شرحهم لمعنى الآيات مع أن حقائقها الكونية كانت محتجبة، ومعلوم أن المفسر الذي يصف حقائق وكيفيات الآيات الكونية في الآفاق والأنفس وهي محجوبة عن الرؤية في عصره قياساً على ما يرى من المخلوقات وفي ضوء ما سمع من الوحي، يختلف عن المفسر الذي كشفت أمامه الآية الكونية، فجمع ما سمع من الوحي وبين ما شاهد في الواقع(9).
ففي تفسير قوله تعالى: }وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ| (المؤمنون: 12 ـ 14)، فقد نقل إلينا من أقوال السلف ـ رضي الله عنهم ـ الآتي: عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال: (السلالة: صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد)(10)، ويقول ـ رحمه الله ـ في تفسير النشأة الأخرى للخلق: (خرج من بطن أمه بعدما خلق فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه أن دله على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه إلى أن قعد إلى أن حبا إلى أن قام على رجليه إلى أن مشى إلى أن فطم، تعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام إلى أن بلغ الحلم إلى أن يتقلب في البلاد)(11).
وعن مجاهد في تفسير السلالة قال: (هو الطين إذا قبضت عليه خرج ماؤه من بين أصابعك)(12).
وعن عكرمة قال: (استل استلالاً)(13).
ولم يمنعهم ما ورد عن النبي من السنة في تفسير هذه الآيات من ذكر معان أخرى يحتملها نظم القرآن ولا يخرج عن مقتضى السنة وأصول اللغة ولا يضادها، فقد مر من قبل ما ورد عن النبي في تفسير قوله تعالى: }فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ| (الانفطار: 8)، وقد أثر عن السلف الصالح معان أخرى من ذلك ما ورد عن مجاهد أنه قال: (إما قبيحاً وإما حسناً، وشبه أب أو أم أو خال أو عم)(14).
وعن عكرمة قال: (إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير)(15).
ومن الأمثلة أيضاً ما ورد في تفسير قوله تعالى: }وَإن مِّن شَيْءٍ إلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ| (الحجر: 21) يقول ابن عباس: (ما نقص المطر منذ أنزله الله، ولكن تمطر أرض أكثر مما تمطر أخرى) ثم قرأ هذه الآية(16)، ومثل ذلك ورد عن ابن مسعود(17) والحسن(18).
ويقول الحكم بن عتبة ـ رضي الله عنه ـ: (ما من عام بأكثر مطراً من عام ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر)(19).
وهكذا فالأمثلة على ذلك كثيرة وكتب التفسير بالمأثور ـ كما ذكرت سابقاً ـ غنية بالأمثلة، وإنك لتجد في بعض ما أوردته من المأثور من التفسير أصبح أقرب للثوابت العلمية في وقتنا كإحصاء هطول الأمطار مع تعقد آلية إحصائها(20)، هذا مع عدم وجود فكرة إحصاء هطول الأمطار في بال أحد من الأمم في عصرهم ولا يملكون الدراية التجريبية لها

شاهد أيضاً

ما هو فضل ختم القرآن في رمضان؟

يكثر المسلمون من الطاعات والعبادات في رمضان، وخصوصا ختم القرآن الكريم أكثر من مرة، اعتقادا …

هل يجوز استخدام بخاخة الربو فى الصيام؟

يعاني البعض من مرض حساسية الصدر المزمن؛ الأمر الذي يضطرهم لإستخدام بخاخة الربو طوال الوقت، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com

Please turn AdBlock off